بحث
ريادة الأعمال في مناطق النزاع...نظرة على البيئة الحاضنة السورية

أكثر من ست سنوات من النزاع في سوريا كان لها آثار مدمّرة على مختلف الأصعدة قد تسلط الضوء الأرقام التالية على حجمها: نحو نصف مليون قتيل و109 مليون جريح، 12،6 مليون اضطروا إلى مغادرة منازلهم، إغلاق آلاف الأعمال وخسارة ملايين الوظائف، أكثر من نصف سكان سوريا حالياً عاطلين عن العمل، أكثر من 83 % من السكان ما دون خط الفقر….

 

ولكن، على الرغم من كل هذه الأرقام المُحبطة، شكّلت هذه الأزمة مصدر إلهام وتفاؤل للعديد من الشباب السوريين. فتزايد الابتكار بين 2014 و2015، حيث سعى 17،6 % منهم على العمل على أفكار ريادية عام 2014 بينما قفزت النسبة إلى 31،2% عام 2015؛ أرقام تعكس إدراك اليافعين في سوريا الإمكانيات التي تملكها ريادة الأعمال وما تستطيع أن تقوم به لإبقاء أحلامهم على قيد الحياة بالإضافة إلى خدمة المجتمع.

Entrep in War2

هذه بعض من الأرقام الذي توصّلت إليها دراسة "ريادة الأعمال في مناطق النزاع، نظرة على المشاريع الناشئة في سوريا" التي أعدّها أحمد سفيان بيرم ونشرها بداية هذا العام.

 

أحمد رائد أعمال مجتمعي وناشط سوري في مجال الاقتصاد التعاوني والشركات الناشئة. خلال السنوات الخمسة الماضية، عمِل على دعم الرياديين السوريين ليستطيعوا الوصول إلى ريادة الأعمال وبناء نظام بيئي داعم؛ فهو قائد فريق منظمي Startup Weekend Damascus، ومستشار ومدير معسكر جسور لريادة الأعمال Jusoor’ Entrepreneurship Program، بالإضافة إلى كونه مستشارًا في Techfugee.

 

ولا شك أن عمله الأخير إلى جانب رواد الأعمال السوريين دَفعه إلى إعداد هذه الدراسة. ويخبرنا "يسّلط هذا البحث الضوء على تجارب واحتياجات رواد الأعمال السوريين في بلادهم، وهو جزء من دراسة أوسع تبحث في تأثيرات النزاع على روّاد الأعمال داخل البلاد وخارجها (..)".

 

قبل الغوص في تفاصيل الدراسة، لا بد لنا أن نتوقف عند المنهجية والصعوبات لإنجازها. وهنا يطلعنا بيرم أن الدراسة تعتمد على بيانات تمّ رصدها على فترة اثني عشر شهراً تمّ خلالها إجراء مقابلات مع ريادييّ أعمال سوريين وفتح نقاش وسلسلة مقابلات مع خبراء بالإضافة إلى رصد رؤى شركات ناشئة محلية. يستند هذا البحث على استبيانين أجريا عبر الإنترنت وتمّ إنجازهما بالعربية والإنكليزية مع 268 رائد أعمال سوري، أعمارهم 16 سنة وما فوق ومعظمهم كانوا طلاب جامعة ذكورا مقيمين في دمشق.

 

ويشير بيرم "لم يستطع البحث تغطية جميع المناطق حيث حالت دون ذلك مخاوف أمنية وقيود السفر، رغم جدارة هذه المناطق بتركيز أوفى ورغم الإدراك بأن لدى رّواد الأعمال هناك تحديات إضافية تتمثل ببؤس البنية التحتية وغياب الاستقرار، مما يمنعهم من تأسيس مشاريعهم".

           

"الحاجة أم الاختراع" لرواد الأعمال...والرائدات

 

حتى لو أن بيرم يشدد على أن الحاجة لم تدفع الكثير من السوريين نحو الابتكار وريادة الأعمال "لا على العكس. عدد قليل من الأشخاص نسبيًا اختار طريق ريادة الأعمال، بينما هناك العديد ممن يزال يبحث عن العمل أو في الجامعات أو ربما يشارك في الأزمة السورية بطريقة أو بأخرى".

 

ولكن، بحسب العيّنة التي طالتها الدراسة، تتركّز النسبة الأكبر من الشركات الناشئة في دمشق مع 72،9% تليها كل من حمص وحماة مع نسبة 5،9 % ثم حلب وطرطوس مع نسبة 4،7 % وبعدها اللاذقية مع 3،5 % ونسبة 1،2 % في ريف دمشق والسويداء. ولا بد من الإشارة إلى أن معظم هذه الشركات الناشئة ما زالت في مرحلة الفكرة بنسبة 73 % في حين أن 2 % فقط في مرحلة النمو.

 

ويوضح لنا بيرم أن المشاريع "يغلب على بعضها الطابع الاجتماعي غير الربحي (22 %)، في حين كان البعض الآخر يرتكز على التقنية (22 %)، كما كانت المشاريع التعليمية حاضرةً (21%) في الميدان".

 

وحتى لو أن حصة الرجال من هذه المشاريع كبيرة (77،6 %) إلا أن الدراسة كشفت تحسناً ملحوظاً في مساهمة رائدات الأعمال التي وصلت إلى 22،4 % مقارنة بـ 4،4 % عام 2009 (بحسب التقرير الوطني السوري لريادة الأعمال). وعزا بيرم هذا التحسن إلى أنه "نتيجة طبيعية للدور الجديد الذي تلعبه النساء كمُعيلات لعائلاتهنّ، حيث اضطر الرجال للهرب أو للانخراط في النزاع المسلّح، وبقيت النساء لمساعدة أهلهنّ وهنّ في بعض الأحيان يلجأنْ لإنشاء المشاريع الناشئة والصغيرة حيث يمكنهم العمل في المنزل أيضًا".

Entrep in War1

إلا أن التحديات في المرصاد

كلّ من يخوض تجربة ريادة الأعمال والابتكار، يُدرك تماماً أن الطريق ستكون محفوفة بالمطبات الكثيرة. تقرير "ريادة الأعمال في مناطق النزاع" الذي يُعتبر الأول من نوعه توقّف مطوّلاً عند أبرز التحديات التي تواجه رائد الأعمال السوري.

 

ويخبرنا بيرم "بداية، كنت أعتقد أن هناك اختلاف كبير بين التحديات التي يواجهها رواد الأعمال السوريّون وغيرهم من رواد الأعمال في مناطق أخرى. ولكن، بعد القيام بزيارات عدة ومقابلة رياديين أعمال في مناطق مختلفة تشهد نزاعات، لامست شبهاً كبيراً في طبيعة التحديات وطبيعة رياديي الأعمال في هذه المناطق".

وهنا يُتابع "إن الهدف من ريادة الأعمال بالنسبة للكثير منهم ليس خلق ثروة. بالنسبة لهم، إنها الطريقة الوحيدة لإبقاء أحلامهم قيد الحياة واستعادة إيمانهم ببلاد قد تصبح منسية. بالإضافة إلى المشاكل التي تواجه أي شركة ناشئة في أي مكان من العالم، فإن الرواد السوريين يعانون من مشاكل أعمق تحدّ من الموارد التي يستطيعون الوصول إليها، مثل انعدام الأمن والاستقرار السياسي، وشح الدعم المالي، ومحدودية الوصول إلى الأسواق، والبنية التحتية الآخذة بالانهيار، وتناقص المهارات البشرية".

 

أضف عليها العقوبات وتقييدات الدفع والأعباء الاقتصادية المتزايدة وتضاؤل حجم السوق والبيئة التنظيمية النابذة بالإضافة إلى خلل النظام التعليمي.

 

ماذا بعد الحرب؟

 

يقول بيرم إن "مجمل الشركات الناشئة المتواجدة حالياً تعمل على حل المشاكل الاجتماعية الأساسية التي يعاني منها المجتمع مثل التعليم والصحة وغيرها".

ويتابع "سيكون هناك مكسب اقتصادي ضخم في السماح لرواد الأعمال بالتعبير عن أنفسهم وبإظهار أنهم أصحاب قدرة. لكن هناك جانب آخر سيكون حيويًا بالقدر نفسه: ستكون ريادة الأعمال قد ساعدت على المحافظة على السلام بعّد سنوات من العنف والحرب وسفك الدماء في بلد يتطلع للتعلم من ماضيه وللمضيّ قدمًا على طريق التعافي عن طريق بناء اقتصاد محلي قوي".

                                               

وبالتالي، يرى أنّه "ينبغي تشجيع رواد الأعمال السوريين لتقديم الخدمات، ليس فقط تلك التي تحصل دخلاً وتخلق فرص عمل، بل أيضاً تلك التي تخدم المجتمعات وتخدم المحتاجين. إن إنسانية الأعمال الناشئة هي التي ستقّربها من أكثر الفئات تأثرًا. كما أن هذا سيبني خبرة محلية وسيعبّد الطريق لمساهمات مستقبلية في التنمية الوطنية".

 

نصائح قيّمة للتغلّب على الحرب والسلم

وتبقى الرسالة الأهم لدراسة "ريادة الأعمال في مناطق النزاع"، بالنسبة لبيرم، أنّ "على صانعي السياسات ومجتمعات الأعمال الناشئة البدء بالتفكير بمساعدة رواد الأعمال في مساعيهم لخلق أعمالهم الخاصة مع الأخذ بعين الاعتبار الصالح العام، من خلال الدعم المتاح للجميع والعادل ومن خلال السياسات الحكيمة التي تمكّن رواد الأعمال من المساهمة في تحقيق منافع اقتصادية واجتماعية هامة. الهدف من هذا البحث في نهاية المطاف مساعدة الشباب في الحصول على فرص لريادة الأعمال وتسليط الضوء على أعمالهم".

 

وبانتظار أن تُنشر المزيد من الدراسات حول ريادة الأعمال السورية في الداخل والخارج، خصّنا أحمد سفيان بيرم بنصائح مهمّة جداً لكل رائد أعمال ينطلق من مناطق النزاع. فشّدد على أهمية التعاون مع الرياديين الآخرين شارحاً "العمل في بيئة حرب أو مناطق نزاع هو من الأمر العصب وهناك العديد من العقبات التي ستواجه الرياديين، ومن ضمنها شح كبير في المصادر، لذلك التعاون بين الشركات الناشئة أمر حيوي ليتمكنوا من تجاوز المشكلات عبر تشارك الممارسات الأنسب والدروس المستخلصة بحيث يمكنهم أن يكونوا فهمًا أفضل للوضع الحالي الذي يواجه الشركات الناشئة".

 

كما شدد على أن مسؤولية الرواد الناجحين الاجتماعية كبيرة عبر مساعدة الآخرين بدون تمييز في الحصول على التدريب اللائق.

 

ومن المهم أيضً أن يتمتع رواد الأعمال بالشفافية والمسؤولية من دون أن ينسى التفكير بما هو أبعد من السوق المحلية. ويشرح بيرم ذلك قائلاً: "بالتأكيد ليس من الخطأ للشركات الناشئة في المراحل المبكرة من عمرها أن تقدم منتجاتها أو خدماتها للأسواق المحلية، ولكن في خضم الوضع الحالي الذي تعيشه البلاد اقتصاديًا واجتماعيًا في مناطق الأزمات، فإنه سيكون بمثابة خطأ استراتيجي الحد من عمل الشركات في حجم سوق مستهدف صغير إن كان التوسع ممكنًا".