فنان يأبى بيع لوحاته

قضى عبدالوهاب فؤاد حياته تحت تهديد الحرب الدائم، إلا أنه اليوم يكرس وقته لإلهام الشباب ليرسموا. أما لوحاته الخاصة، كما قال لتريسكا حميد، فيعطيها للناس دون مقابل.

لطالما كان الفن وسيلة للشفاء بالنسبة لعبدالوهاب فؤاد، الرسام الكردي الذي شهد حربًا تلو الحرب. وقد سعى طوال مسيرته المهنية لتصوير الاضطراب العاطفي الذي تولّده فظائع الحرب، الأمر الذي للأسف لم يعوزه لإلهام في حياته.

 

يأمل الفنان اليوم أن يلهم من قاسوا الحرب عبر المعارض والدروس التي يقدمها للاجئين والنازحين الشباب في مسقط رأسه كويه في إقليم كردستان العراق، وذلك لمساعدتهم في التعامل مع صدماتهم النفسية. ويقول: «الرسم قادر على نقل العناء البشري أكثر من الفرح. إذ أجد نفسي أعاني في رسم المشاهد الفرحة.»

 

ركزت آخر لوحاته على محنة الكرد اليزيديين الذين طالتهم حملة تطهير عرقي وحشية على يد الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، والتي أسفرت عن مذبحة في جبال سنجار واستعباد لآلاف النساء اليزيديات.

Wahab1

ولد عبدالوهاب في 1949 وتخرج من مدرسة أربيل للفنون في 1973. وبعد سنتين، أصبح معلمًا للفن في مدارس أساسية وثانوية. أقام معرضه الأول الخاص به في أربيل عام 1976، وكان لسلسلة من اللوحات المائية والزيتية حول موضوع «الحياة الطبيعية».

 

وعلق عبدالوهاب: «كانت أول مرة يُعرض فيها عملي أمام جمهور، وقد قررت حينها ألا أبيع أعمالي الفنية أبدًا.»

 

لم يكن السبب أن عروضًا لم تصله بالشراء، لكنه يفضل أن يهب لوحاته على أن يبيعها. «كنت أتلقى راتبًا من التعليم يكفيني للعيش ولإعالة أسرتي. أحيانًا، عندما تضع سعرًا على لوحة فنية، فإنك تقلل من قيمتها»، إلا أنه يعترف أن رأيه في الأمر تغير الآن بعض الشيء، لا سيما بعد تقاعده، إذ يقول: 

 

«كنت وقتها، وما زلت إلى حد ما، أشعر بأن الفن ليس مجرد خربشة على ورقة بقلم أو لون. الفن يتطلب الشعور والتفكّر والقدرة على التعبير عن ذلك في لوحة - وهذا ليس شيئًا قابلًا دائمًا للتسعير.»

 

وفي معرض منفرد آخر له في صالة الإعلام في أربيل في 1989، شعر عبدالوهاب بأنه أصبح مقبولًا كفنان وسط المجتمع الكردي. كما يتذكر أنه أعطى لوحة لزائر ألماني بلا مقابل، أعارها بدوره لمعرض في ألمانيا عن الفن الشرق أوسطي. وعلق قائلًا: «لا أتذكر المكان بالتحديد، ما زال لدي المقال الصحفي في مكان ما». إن أسلوبه في ترك الأمور تأخذ مجراها دون تدخل قد يكون للبعض مدعاة للفزع، لكن سرعان ما يتضح أن عبدالوهاب يفضل العملية الفنية على النتيجة، إذ يقول: «عندما أنهي اللوحة وأعرضها، تنتهي القصة بالنسبة لي. أما عندما يأخذها شخص ما لبيته، تبدأ قصته هو.»

Wahab2

يركز الفن الكردي عادة على المناظر الطبيعية للمنطقة الشمالية الخصبة، التي تزدخر بالجبال والشلالات والغابات. تُرسم القرى بطريقة رومانسية، ويشيع في اللوحات المنزلية وتلك المعلقة في المطاعم منظر الرجال والنساء بالزي الكردي التقليدي. أما أعمال عبدالوهاب فتتميز بين لوحات الطبيعة الخضراء والرسومات الشاعرية. بالرغم من أنها تحوي مشاهد الفقدان والاضطراب، إلا أن لوحاته تعج بالألوان، لدرجة يظن معها الناظر أن اللوحة عبارة عن ضربات صعبة الفهم من اللونين الأحمر والبرتقالي. لكن، مع مزيد من التفحص، تظهر الشخصيات المسكونة داخل اللوحة. يقول عبدالوهاب: «لقد أصابتنا فواجع لا تنتهي. من حلبجة، للأنفال، لحروب الخليج، والآن داعش- ويستمر عناؤنا.»

 

اضطُر عبدالوهاب إلى النزوح مع عائلته إلى إيران في مارس 1991 بعد نشوب حرب الخليج الأولى، عندما داهم صدام حسين الأكراد في الشمال والشيعة في جنوب العراق بغارات القصف الجوي.  «كانت رحلة شاقة ومنهكة، لم يكن معنا شيء وما كنا نعرف ما إذا كنا سنعود لبلادنا يومًا ما. استغرقت الرحلة أيامًا طويلة لم يكن معنا فيها الماء ولا الطعام، ومشينا غالب الطريق.»

 

أمضى شهورًا عديدة في طهران لاجئًا مع زوجته وأطفاله الثلاثة، واعتمدوا على الصدقة للعيش. كانت تجربة مؤثرة فيما بعد على عمله، ألهمته لتسليط الضوء على محنة اللاجئين. بمجرد إقامة منطقة حظر جوي في المناطق الكردية في العراق، أصبح رجوع اللاجئين آمنًا. عاد عبدالوهاب إلى أربيل وبدأ في العمل على سلسلة جديدة من اللوحات ركزت على شهداء حملات الأنفال، وهي هجوم شنه نظام صدام على الأكراد مدة ثلاث سنوات، أسفر عن أكثر من مئة ألف قتيل، بمن فيهم خمسة آلاف في الهجوم الكيميائي على القرى الكردية في حلبجة في مارس 1988. 

 

وقال عبدالوهاب: «كانت حلبجة أحلك اللحظات في تاريخنا، وتطاردنا صور الرضع والأطفال الموتى إلى يومنا هذا. لهذا السبب كرست معرضي في 1996 لأولئك الشهداء، كي لا ننسى.»

 

تقاعد عبدالوهاب من عمله كمعلم إلا أنه ما زال يدرّس اللاجئين اليزيديين والسوريين الرسم ويقيم معرضًا فنيًا سنويًا للمواهب الناشئة في بلدة كويه. وقد توقف اليوم عن الرسم بالألوان الزيتية، لأنه «يأخذ وقتًا طويلًا ليجف وما عاد لدي الصبر على ذلك»، ويفضل الألوان المائية والرسوم التخطيطية بينما يحاول الدخول لعالم الوسائل الاجتماعية عن طريق نشر لوحاته، وأيضًا دون مقابل.

Wahab3

«أمضي معظم أيامي أرسم في الحديقة، والآن أحمّل رسوماتي على حسابي على الإنستغرام والفيسبوك»، ويردف: «وكأنه معرض مستمر.»

 

فنان يعبر عن ألمه في فنه، إلا أنه يمد الشباب الذين يعلمهم بالأمل عن طريق مساعدتهم في إيجاد أسلوبهم الخاص في التعبير والمتنفس عن آلامهم.