واقع جديد: كيف يأمل اثنان من رواد الأعمال اللبنانيين في تغيير الجراحة الطبية

من المستشفيات في ساحات المعارك إلى تلقي خدمات الرعاية الصحية في الغرب، يعلم مات سميث أن تقنيات منصة "بروكسيمي" منخفضة الدقة يمكنها المساعدة في إجراء جراحات آمنة لنحو 5 مليار شخصٍ في جميع أنحاء العالم يفتقرون إلى هذه الخدمات.

ابتكرت شركة طبية ناشئة في بيروت برمجيات تقنية الواقع المعزز بحيث يمكنها حل مشكلة النقص العالمي المزمن في عدد الجراحين المُدربين وإنقاذ الأرواح وتغيير شكل تقديم الرعاية الطبية.

 

 تُمكن تقنيات منصة "بروكسيمي" الجراحين من نقل أنفسهم عن بُعد عبر الإنترنت إلى أي غرفة عمليات جراحية؛ لإرشاد وتعليم وتدريب ودعم الجراحين الآخرين والطاقم الطبي.

 

ولعل الأهم من ذلك هو أنها تعمل على كل الأجهزة الإلكترونية تقريبًا، إذ يمكنها أن تعمل على أي هاتفٍ ذكيٍ تقليديٍ -بالإضافة إلى الأجهزة اللوحية وأجهزة الحاسوب، ومتوافقة مع المُعدات المُعقدة مثل أجهزة الجراحة بمساعدة آلية وآلات جراحة المناظير، بل ويمكن استخدامها من خلال شبكات الجيل الثالث.

 

وقالت الدكتورة نادين حشاش حرم، الشريك المؤسس لمنصة بروكسيمي، مشيرةً إلى تقريرٍ نشرته مجلة "ذا لانسيت" الطبية البريطانية ويُقدر أن نحو 5 مليار شخص في جميع أنحاء العالم يفتقرون إلى خدمات الجراحة الطبية الآمنة: "إنها تقنية بسيطة وقوية ونأمل أنها ستغيّر العالم، وبدأنا في رؤية ملامح كيف سيكون لذلك تأثير عالمي. هناك شيء ما يجب فعله بشكلٍ مختلفٍ".

 

وقابلت الدكتورة نادين (36 عامًا) زميلها الشريك المؤسس لمنصة بروكسيمي، طلال علي أحمد، منذ نحو أربع سنوات بينما كان الاثنان متطوعين في مؤسسة جراحية خيرية بالعاصمة اللبنانية بيروت. وبالاعتماد على خبرتها كطبيبة مُدربة في الولايات المتحدة وبريطانيا وخلفية طلال كمهندس اتصالات ورائد أعمال لمدة 25 سنة متواصلة، حاول الثنائي استخدام نظارة جوجل -التي كانت قد طُرحت حديثًا حينئذٍ- لبث العمليات الجراحية؛ ليتمكن الأطباء من التعلم عن بُعد.

 

وقالت نادين -طبيبة الجراحة ذات الأصول اللبنانية والمولودة في ولاية كاليفورنيا الأميركية، التي عادت إلى وطنها للتخرج في إحدى المدارس الثانوية ببيروت: "كانت فكرة هذه النظارات مذهلة، لكنها كانت لا تزال غير مكتملة وكانت هناك بعض مواطن الخلل بها، إذ احتاجت إلى قدرٍ كبيرٍ من عرض النطاق الترددي للإنترنت ولن يكون كل الجراحين سعداء بارتداء كاميرا في رؤوسهم في حين لديهم أدوات أخرى ليرتدوها مثل النظارات المكبرة والكشافات الجراحية".

 

وأضافت قائلةً: "سألت طلال: هل يمكننا جعل هذه التقنية تعمل على معظم الأجهزة وبالتالي يمكن لأي طبيب في أي مكان يملك هاتفًا نقالًا أو حاسوب أن يستخدمها؟"

 

بدأ الشريكان المؤسسان في عمل وتصميم وبناء نموذج مبدئي، الذي اختبراه فيما بعد في كاليفورنيا وبيرو لمدة سنة. أثبتت هذه الاختبارات نجاحها، إذ تمكن الطبيب اللبناني راج فياس -وهو طبيب جراح بجامعة كاليفورنيا ريفرسايد الأمريكية- من تدريب الأطباء البيروفيين على التقنيات الجراحية عن بُعد. وبفضل هذه المهارات، كان الأطباء قادرين على خدمة مجتمعاتهم بشكلٍ أفضل.

 

 

وفي عام 2016، أُصيب مراهق فلسطيني بإصابات بالغة حينما انفجر جهاز غير منفجر من بقايا الهجوم الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة عام 2014 في يديه، مما دفع طبيبًا جراحًا من غزة للاتصال بالدكتورة نادين لطلب المساعدة.

 

وقالت نادين: "أوصلناه بطبيب مُدرب بالمملكة المتحدة ومقيم في بيروت، وفجأةً من خلال تقنيتنا البسيطة، كان قادرًا على إنقاذ يد الفتى الصغير".

 

وأضافت قائلةً: "وهذا عزز إيماننا بأننا يمكننا إحداث تأثير كبير وتحسين حياة الأشخاص ومساعدة الأطباء المحليين في رفع مهاراتهم؛ وبالتالي لا تضطر المجتمعات المحلية إلى الاعتماد على البعثات الدولية. كانت هذه طريقة لزيادة الموارد التي نملكها أضعافًا مضاعفةً، فليس هناك ما يكفي من الأطباء في جميع أنحاء العالم لمساعدة الجميع".

 

 

نموذج مبدئي

 

خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، عمل فريق الشركة بلا كلل لتطوير المنتج أكثر كحلٍ عالميٍ في مجال الرعاية الصحية -إنها فكرة وُلدت من رحم المعاناة، وتوفر منصة بروكسيمي تقنياتها للمنظمات غير الحكومية مثل منظمة أطباء بلا حدود بسعر التكلفة.

 

ومع ذلك يمكن لهذه البرمجيات أن تنفع الجميع، إذ يمكنها تخفيف بعض التحديات الكبرى في الرعاية الصحية؛ من خلال مضاعفة إنتاجية الأطباء دون فقدان الخبرة والسماح للمرضى بأن يتم عرضهم على خبراء في مستشفياتهم المحلية وضمان توفير جودة عالية والتدريب المستمر للجراحين.

 

 وقالت نادين: "نعمل مع المستشفيات وكليات الطب وشركات الأجهزة الطبية. إنه منتج موجه للأطباء في حين أن الكثير من التقنيات موجهة للمهندسين، ويُطور في مجال الألعاب الإلكترونية ثم يتم تكييفه مع مجال الرعاية الصحية. ما فعلناه هو ابتكار طبي من المقام الأول؛ فهو نتاج تفكير طبيب يعمل بالتزامن مع مهندس لتقديم منتجٍ يمكنه حل أزمة مؤلمة".

 

توفر منصة بروكسيمي تقنيات الواقع المعزز وأدوات التوجيه، بالإضافة إلى محتويات مختارة من المجلات الطبية الشهيرة. على سبيل المثال، يمكن لأي طبيب جراح أن يضع تعليقات توضيحية على الشاشة ليوضح بالضبط أين ينبغي شق جسم المريض. ويتم جمع المعلومات من العمليات الجراحية الحيّة أيضاً في مكتبتها الآمنة لمقاطع الفيديو.

 

تتمتع هذه التقنية بالقدرة على التكيف مع أي عرض نطاق ترددي ويمكنها العمل في عرض نطاق ترددي منخفض، ولكنها مفيدة فقط في البيئات الصعبة ذات الموارد القليلة- كما تعاني أنظمة الرعاية الصحية في الدول الغنية أيضًا من الاعتماد على البنية التحتية بشكلٍ زائدٍ عن الحد والتكاليف المرتفعة.

 

وقالت نادين: "كيف ستوفر الرعاية حينما يكون الأشخاص غير قادرين على السفر لمسافاتٍ بعيدة بسبب مركزية الخدمات؟ يتعلق الأمر بالمساعدة في إعادة توزيع بعض الموارد افتراضيًا".

 

 

 

 

 

بناء قاعدة في بيروت

 

بمساعدة المركز اللبناني البريطاني للتبادل التكنولوجي، وهو مبادرة مشتركة بين مصرف لبنان والسفارة البريطانية ببيروت، غرست بروكسيمي جذورها في لبنان.

 

وقالت نادين: "باعتبارنا جزءًا من المهاجرين اللبنانيين، رأينا أنها كانت طريقة رائعة لرد الجميل إلى بلادنا. أسسنا مكتبًا في بيروت لمساعدة المهندسين اللبنانيين الشباب في الحصول على وظيفة، ثم منحنا المركز اللبناني البريطاني للتبادل التكنولوجي بعض التوجيه والنصائح في كيفية جمع التبرعات من بيروت".

 

وأضافت قائلةً: "لقد أوصلنا المركز بالمؤسسات التي كانت تمول مثل هذه المنتجات. كان المركز دائمًا كالعائلة بالنسبة لنا، ويدعمنا ويؤيد ما نقوم به. نتمتع بعلاقة قوية للغاية ونأمل أن ننفذ المزيد من المشروعات معًا".

 

 أنهت بروكسيمي مرحلة التمويل المبدئي (أو ما يُطلق عليها تمويل البذرة) في أواخر عام 2016، ثم بدأت في تعديل المنتج لتجعله قابلًا أكثر للتطبيق بشكلٍ تجاريٍ في مارس 2017، وأطلقت عملياتها الكاملة في الربع الثاني من العام الماضي.

 

توظف الشركة 22 موظفًا في جميع أنحاء العالم، 10 منهم في مكتب بيروت، وتتنوع خبراتهم بين المبيعات والهندسة وتطوير الأعمال والرعاية الصحية.

 

وقالت الدكتورة نادين: "يشعر كل شخص في بروكسيمي وكأنه جزء من العائلة وجميعهم متحمسون للتأثير الذي يمكن أن تصنعه منتجاتنا. إنهم يعملون معنا لأنهم يحبون المكان الذي تذهب إليه هذه التقنيات وكيف يمكننا تحسين حياة الناس".

 

ومع تحقيق مبيعات بالفعل في مؤسسات بالولايات المتحدة وبريطانيا، يوسع فريق بروكسيمي قدرات منصتها، في حين تتوقع الشركة أيضًا أن تجمع المزيد من التمويلات للمساعدة في تلبية الطلب على خدماتها من مناطق مثل أستراليا والصين وأمريكا الجنوبية.

 

وأضافت نادين قائلةً: "ننشئ ملف شامل لمنتجاتنا – وهي كلها متسقة مع ما نحاول القيام به وهو بناء مجتمع افتراضي من الأطباء".

 

وتابعت قائلةً: "الفكرة هي: من خلال منصتنا وأياً كان نوع الجهاز الذي تستخدمه، يمكنك أن تنقل نفسك افتراضيًا إلى أي مرفق طبي لتتفاعل وتعمل مع أطباء آخرين؛ لتدريبهم أو لدعمهم أو للتعلم منهم.  يتعلق الأمر بإمكانية الوصول والاتصال".