"تيك تينز" تكشف البرمجية والترميز للأطفال العراقيين

حاورت باميلا كسرواني فاطمة التميمي، صاحبة مشروع "تيك تينز" في اربيل للحديث عن تفاصيل فكرتها وأسباب الاهتمام بالبرمجية كأداة بأيدي الأطفال وكيفية إقناع أولياء الأمور بأهميتها.

الحاجة أمّ الاختراع، مقولة شائعة تنطبق على فاطمة التميمي. هذه العراقية المتزوجة والأم لثلاثة أطفال، تخرجت من كلية الصيدلة في جامعة بغداد عام 1996 وعملت صيدلانية لمدة 20 سنة. إلا أن الظروف والحرب شاءت ألا تواصل مسيرتها المهنية: فانتقلت فاطمة من البصرة إلى الفلوجة لتستقرّ لاحقاً في أربيل منذ عام 2014. وهنا تخبرنا "عندما نزحنا إلى أربيل، توقفت عن العمل وفقدنا كل ما يخص العمل بسبب خروجنا من المحافظة التي كنّا نقطن فيها. أنا بطبعي أحب تعلم أشياء جديدة. وقضيت سنوات في اربيل لا شيء أفعله، ولا يوجد لدينا أصدقاء ولا عوائل نعرفها".

لكن الوضع تغيّر عندما رأت إعلاناً عن دورات لغات البرمجة تُقدّم مجاناً للنازحين لمدة 10 أشهر. فالتحقت بها وتعلّمت كل شيء من الصفر هي التي لم تكن تعرف معنى برمجة أصلاً. وتفصح لنا "تعلمتها وأعجبتني كثيراً. رأيت أنّها تغيّر تفكير وأسلوب الشخص وطريقته في الحياة. كما أدركت أهميتها في بناء البرامج والمواقع الالكترونية والكثير من الأشياء".

تابعت التميمي عدداً من الدورات وحصلت على العديد من الوعود بوظيفة تدريس المراهقين الترميز إلا أن سرعان ما تلاشت فرص التوظيف. وفي هذه الفترة، تعرّفت إلى أليس بوزلي، المؤسسة الشريكة لـ "فايف وان لابز" وهي حاضنة أعمال تساعد رواد الأعمال اللاجئين في تطوير أعمالهم في الشرق الأوسط واكتشفت أن المؤسسة تُنظّم دورة لاحتضان الناشئين وإعطائهم مساندة مادية ومعنوية. فتسجّلت التميمي وعرضت فكرة "تيك تينز" لتفوز بالمركز الأول وتبدأ رحلة مدرسة البرمجيات.

"تيك تينز" تقدّم عدداً من البرامج: الأول موجّه للأطفال من عمر 6 إلى 9 سنوات لتصميم لعبة صغيرة وبسيطة بلغة خاصة بهم وممتعة؛ الثاني، موجه لمن هم بين 8 و12 سنة ويتضمن تصميم ألعاب عبر لغة سكراتش، والثالث وهو برنامج أكثر تعقيداً لمن هم بين 13 و17 سنة من أجل تعليمهم تصميم المواقع الإلكترونية.

برامج متعددة ضمن رحلة محفوفة بالمطبّات حملت التميمي إلى تغيير محور مشروعها. فهي كانت انطلقت بتقديم صفَّين تجريبيَين مجاناً لكنها عكفت عن بدء التسجيل في الصفوف الفعلية بسبب ظروف كثيرة، منها سوء توقيت إطلاق المشروع الذي تزامن مع امتحانات آخر السنة للطلاب ثم العطلة الصيفية أضف إلى ذلك موقع المركز التي اختارته والذي لم يكن مناسباً.

الأمر لم يُشكّل حجر عثرة في دربها حيث قررت التميمي إغلاق المركز والعمل بطريقة مختلفة. فراحت تجول المدارس الدولية لإقناعهم في إدراج دورات البرمجة في منهجها أو محها فسحة لكشف هذا العالم للطلاب. وثانياً، قررت العمل على افتتاح مركز مع سيدات تعرّفت عليهنّ خلال دورة الاحتضان وكلّ منهنّ يملكن أفكار مشاريع ناشئة لكنهنّ لا يملكن، مثلها، الإمكانيات للتحليق بمرفدهنّ.

ولكن، ما سبب إصرار التميمي على المضي قدماً بمشروعها؟ تفصح لنا أنها عندما رأت فضول أولادها عندما كانت تتابع دورة الترميز، باتت الأمور واضحة جداً. وتخبرنا أن ابنها كان مندهشاً عندما كانت تعمل على لغة الخدش لإحدى الألعاب حيث قال لها "كيف صممت هذه اللعبة؟ أنا كنت ألعبها ولم أكن أعلم أنني يمكنني القيام بها أيضاً".

وترى التميمي أن الأولاد محاطين بالأجهزة ومتى تكشف لهم أهمية الترميز وأهمية تصميم التطبيقات والألعاب التي يستخدمونها أضلاً، تُساهم في تنمية عقولهم وتغيير الطريقة التي يفكرون فيها. وبالتالي، يصبحون مبدعين وخلاقين أكثر.  وتشدد أن هذه الدورات لا تتطلب مهارات خاصة للأطفال قائلة "أنا علّمت أطفال ليس لديهم كمبيوتر محمول في المنزل. مع الوقت، تكبر المهارة معهم ويتعلمون أسرع، وينتقلون من مستوى إلى آخر".

ولكن، في منطقتنا، ما زال الوعي حيال البرمجة وأهميتها في صقل عقول أجيال المستقبل وتوفير وظائف الغد ناقصاً حيث تشدد التميمي أن الصعوبة الأكبر لم تكن تعليم الأولاد لغة البرمجة لا بل حث الأهالي على دفعهم نحوها. وتخبرنا "عندما كنت أُعلن عن الدورة، كان الأهل يسألونني إن كانت دورة لغة أجنبية أم رياضيات، يتفاجأون عندما أجيب بأنها دورة برمجة". فاضطرت إلى تنظيم دورات تفسيرية لأولياء الأمور!

"تيك تينز" مشروع لتنمية عقول الأطفال وأيضاً فرصة عمل جديدة لرائدة الأعمال العراقية التي ترى أن الكثير ما زال ضرورياً لمضاعفة الاهتمام في منطقتنا. وتقول "طبعاً تعليم البرمجة ما زال في بداياته بالنسبة للدول العربية والشرق الأوسط. نرى بعض المبادرات في الإمارات العربية المتحدة والكويت والأردن ولكن أقدم أكاديمية لتعليم الترميز بدأت في العام 2016". على الرغم من هذا التأخير، ما زالت التميمي تؤمن أنه مع تطور العلم والمجتمع وتغيير الزمن، سيتغير الوضع بالتأكيد.